ابن أبي الحديد
211
شرح نهج البلاغة
إلى ما سمعت من القول ، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم ، فعد لنا اليوم إلى مثل ما صنعت بالأمس ، ثم اجمعهم لي ففعلت ثم جمعتهم ، ثم دعاني بالطعام ، فقربته لهم ، ففعل كما فعل بالأمس ، فأكلوا حتى مالهم بشئ حاجة ، ثم قال أسقهم ، فجئتهم بذلك العس ، فشربوا منه جميعا ، حتى رووا ، ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال يا بنى عبد المطلب ، انى والله ما اعلم أن شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، انى قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد امرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيكم يوازرني على هذا الامر ، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم فأحجم القوم عنها جميعا ، وقلت انا ( 1 ) - وأني لأحدثهم سنا وأرمصهم ( 2 ) عينا ، وأعظمهم بطنا ، وأحمشهم ( 3 ) ساقا انا يا رسول الله أكون وزيرك عليه ، فأعاد القول ، فأمسكوا واعدت ما قلت ، فاخذ برقبتي ، ثم قال لهم هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا . فقام القوم يضحكون ، ويقولون لأبي طالب قد امرك أن تسمع لابنك وتطيع ( 4 ) . ويدل على أنه وزير رسول الله صلى الله عليه وآله من نص الكتاب والسنة قول الله تعالى ( واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري ) ( 5 ) . وقال النبي صلى الله عليه وآله في الخبر المجمع على روايته بين سائر فرق الاسلام ( أنت منى بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي ) ، فأثبت له جميع مراتب هارون عن موسى ، فأذن هو وزير رسول الله صلى الله عليه وآله ، وشاد إزره ، ولولا أنه خاتم النبيين لكان شريكا في امره
--> ( 1 ) ساقطة من التاريخ . ( 2 ) الرمص في العين : كالغمص ، وهو قذى تلفظ به كناية عن صغر سنه . ( 3 ) حمش الساقين : رفيعهما . ( 4 ) تاريخ الطبري 2 : 319 - 321 ( المعارف ) ، وتفسير الطبري 19 : 74 ، 75 ( بولاق ) ، بتفصيل أوفى . ( 5 ) سورة طه 29 - 31 .